ما جئت أبكي على رسم ولا طلل= ولا أناجي ذوات الأعين النُّجُلِ
بل جئت أصدح بالسحر الحلال على= مسامع السادة الأكفاء والنبل
قصيدة من هتاف الروح أبعثها= ممزوجة من عبير الجد والهزل
إن التغني بأهل الفضل في بلدي= أزكى من الورد بل أحلى من العسل
ولست أدري هل الأحزان تعصف بي= أم أنني في لقاء الأنس والجذل
هل تطلق اليوم حريات إخوتنا= أم التقاعد فينا شر معتقل
وهل أنا اليوم في أنس بمحفلنا= أم أنني في مقام مذهل جلل
شوامخ العلم عن دنياه راحلة= هذا مصاب له الأفكار في ذهل
وكيف لا ترسل العينان أدمعها= إذا تنحى بعيدًا وارث الرسل
قالوا نكرم أرباب العطاء لما= قاموا به في سبيل العلم والعمل
فقلت ماذا سيشفي أو يفي وبما= نشدوا لإكرامهم في خير محتفل
ما كان إكرام هذا البذل في خطب= صداحة أو بفن الشعر والزجل
ولا بتنظيم حفل للعشاء ولا= خطاب شكر بهي اللفظ والجمل
ولا حقيبة حب تحتوي قلمًا= وسبحة وكتاب الشعر للهذلي
ولا بتقديم درع للوفاء ولا= شوكلاتة من محل الباتشي والنقلي
إكرامهم أن يظلوا في مشاعرنا= يكسون بالرفق منا أروع الحلل
يحظون دوماً بأفنان الوفاء لما= جادوا به من عطاء دونما ملل
إكرامهم أن يعيشوا في متابعة= حسنى ويحيون في ظل وفي ظلل
ويمنحون مزايا الفضل كاملة= من المعاشات والإسكان والبدل
رحيق أعمارهم جادوا به فإذا= شابوا عددناهم من جملة الهمل
اقعد تقاعد وعش ما عشت منعزلًا= مقشرًا لنبات الثوم والبصل
إن التقاعد في سن العطاء غدا= موتاً لأربابه لكن على مهل
يعيش منه الفتى في ليل وحدته= معذبًا غارقاً في هم منعزل
قد ملت الزوجة الشمطاء مقعده= في وجهها وانبرت تهذي على الرجل
قم فارق البيت يا زوج البطالة يا= رأس الكآبة والتعقيد والعلل
من بعد أن كان أيام الدوام إذا= أوى إليها سلا بالرشف والقبل
تسقيه أحلى أفانين الوداد وما= يروقه من أغاني الحب والغزل
فأضحت اليوم تهذي بالسباب له= ترميه بالعجز والتفريط والخطل
تصيح في وجهه قم يا كسول إلى= غسل الفناجين والكاسات والحلل
من بعد أزكى فنون البذل بات على= رصيف دنياه محزوناً بلا شغل
يمسي ويصبح دوماً في مراقبة= لجرة الفول من مركاز عم علي
وربما مات لا يدرى بميتته= إلا إذا ولولت أنثاه يا جملي
يا صاحب اللب لا تركن لأوسمة= خداعة وقعها بالغدر كالأسل
كم من مدير وأستاذ قضى زمناً= مفخمًا واسع الألقاب ذا ثقل
وكان في الناس ذا صوت وهيلمة= أمسى كئيبًا ضعيف الحال والحيل
كل الإدارات تسعى في وساطته= سم مرحبا يا طويل العمر والأجل
بعد التقاعد بات الكل ينكره= ما من سمير ولا خل ولا شلل
وكان بين كبار القوم مجلسه= واليوم أمسى مع الغوغاء والسفل
تلك المناصب لا يسلو بها أحد= إلا تجرع منها سوء مقتبل
إلا إذا صانها من كل شائبة= من التكبر والإجحاف والـمِيَلِ
مضى على ما يحب الله في دأب= وحكمة تستقى من سنة الرسل
أو كان في العلم إن العلم منصبه= باقٍ بعيد من اللأواء والفشل
يا من تقاعدت قم للبذل متقدًا= وابدأ مسيرة عمر يانع خضل
لفظ التقاعد لا تقبل به لقباً= قم جدد العهد في بعد عن الخمل
صفا لك الجو والحمل الثقيل مضى= وأنت شهم فتي الروح لم تزل
نقل فؤادك في دنيا العطاء وفي= موارد العلم في حل ومرتحل
وانصب لمولاك وارغب في فواضله= في طاعة الله ما يشفي من الغلل
واعمل ليوم عظيم لا مناص لنا= منه فذلك يوم الرعب والوهل
يوم يشيب به الولدان من فزع= يأتي به كل فردٍ غير منتعل
من لوعة الحر ماج الناس في عرق= والأم عن طفلها المحبوب في ذهل
وليس يغني عن الإنسان منصبه= ولا مباهاته بالمال والفلل
فاطلب من الله أن تحظى بخاتمة= ميمونة في جنان الخلد والـجِزَلِ
أما المعلم ظلم أن نُقَعِّدَه= بعد اكتمال النهى والفهم والمثل
وكان أولى بنا أن ننتشي فرحاً= بمثلهم من ذوي التجريب والطول
هذا هو السن سن كله حكم= وخبرة ورسوخ غير مفتعل
يا قادة الخير والإحسان يا فئة= ممدوحة بسخاء الكف والنفل
سنوا لهم سنة حسنى تزين من= مآلهم واضربوا صفحاً عن الدول
لكم كمثل ثواب العاملين بها= وكل من طبقوها مدة الأزل
يا من لهم في دروب الفضل ألوية= ميمونة ما لها في الأرض من مثل
حب المواطن يجري في ضمائركم= وأنتم عنده في القلب والمقل
والعذر يا أيها الأحباب إن شطحت= مشاعر قد نظمناها على عجل
هذا عبير الهوى والحب جاد به= شعري وأستغفر الباري من الزلل