الشيخ فراج العقلا «مدرسة في البر والشيم»
وداعًا أيها الشيخ الجليل, والرجل النبيل, والداعية اللطيف.
وداعًا أيها الآمر بالمعروف, الناهي عن المنكر, المجاهد في سبيل الخير, السابق في دروب البر.
وداعًا أيها الأب الحاني, والمربي الفاضل, والمصلح الحاني.
وداعًا ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لله وإنا إليه راجعون.
لقد رحل عنا صاحب الفضيلة الشيخ الجليل الوقور الحبيب فراج بن علي العقلا رحمه الله وغفر له وجعله من الشهداء.
وإنني هنا أسجل بعض كلمات الحب, وعبارات الوفاء, وخواطر الثناء لشيخنا ووالدنا رحمه الله.
حينما أكتب عن الشيخ فراج العقلا فإنما أكتب عن رجل من البقية الباقية من أهل العلم والحكمة والبصيرة والتجربة والغيرة الإيمانية المنضبطة بضوابط الشرع.
حينما أكتب عن الشيخ فراج فإنما أكتب عن الدين يوم يمازجه العقل وعن الأمر بالمعروف يوم تجلله الحكمة, وعن الحب للخير يوم تعشقه النفس.
حينما أكتب عن الشيخ فراج فإنما أكتب عن الغيرة الإيمانية يوم يضبطها الشرع, والدعوة الإسلامية حين تصاحبها الحسنى.
حينما أكتب عن الشيخ فراج فإنما أكتب عن بعد النظر, وعلو الهمة, وثبات الفكر, ورزانة العقل, وعمق التجربة, ونفاذ البصيرة, وسياسة المداراة, وأسلوب الرفق, وحب الألفة, وحكمة الشيوخ, والحرب على إثارة الفتن, أو إشعال الإحن,.
حينما أكتب عن الشيخ فراج فإنما أكتب عن الكرم في أجمل أثوابه, والجود في أروع حلله, والشيم في أصدق مظاهرها, والقيم في أمتع مناظرها.
حينما أكتب عن الشيخ فراج فإنما أكتب عن الصبر الجميل, والبذل المتواصل, والعمل في صمت, والاجتهاد في صدق.
كل ذلك وغيره كثير وما هي إلا زهرات عطرة في بستان جميل نضر يسمى فراج العقلا, ما هي إلا أحرف ناطقة من كتاب رائع هو فراج العقلا, ما هي إلا ألفاظ عابقة من سجل جميل سطرته حياة أنفاس فراج العقلا .
إنني حين أكتب عن الشيخ فراج العقلا فلست مراقبًا من بعد, أو متحدثًا عن سماع, أو معجبًا وصلته أخباره, أو كاتبًا أحب أن يدلي بدلوه, بل أكتب من قلب الحدث من صميم التجربة, من داخل الدار, من واقع المعايشة, إنني أكتب عن والدٍ حنون, وأب عطوف, ومرب ناصح.
لقد أكرمني الله بالتعرف عليه منذ أن كنت طالبًا في المرحلة الجامعية, وهو في رئاسة الهيئات في مبنى متواضع بالعزيزية بمكة المكرمة حيث كنت منذ سنوات الجامعة الأولى مقبلًا على الدعوة محبًّا لأهل العلم, حريصًا على المشاركة في الأنشطة.
كان الشيخ فراج حينها ممن نشأ متدينًا بطبعه ويسعى إلى الدعوة بفطرته, وينهج الأمر بالمعروف بأسلوب الحكمة والتجربة والبصيرة.
ثم إن الشيخ رحمه الله ليس طارئًا على الدعوة إلى الله وليس جديدًا على الأمر بالمعروف, بل هو قد نشأ في بيت كانت تلك مهمته, وذاك منهاجه فهم أسرة شرفها الله بالانتساب إلى هذه الفضائل.
وكما أكرمني الله بمعرفة الشيخ وصداقته فقد أكرم أخي الدكتور عثمان حفظه الله ورعاه بالعمل معه لعدة سنوات في رئاسة الهيئات وأفاد من تجاربه وحكمته وسياسته وحظي منه بما حظيت به من حب وإكرام ونصح.
إن تجربة الشيخ فراج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجربة فذة فريدة إنها ترسم منهجًا راقيًا شافيًا للعاملين في هذا الميدان. إن منهجه باختصار هو روح الإسلام الصافية المميزة بالسهولة واللطف والعفو والرحمة وحسن الظن بالناس. لم يكن الشيخ قاسيًا فظًّا متعاليًا ولكنه لم يكن مهملًا مفرطًا متهاونًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لم يكن الشيخ مداهنًا مرائيًا متزلفًا ولكنه لم يدخر جهدًا في التواصل مع ولاة الأمر, وكسب ثقتهم, والإصغاء لتوجيهاتهم, لم يكن الشيخ كثير الكلام أو التصريحات أو التصدر الإعلامي لكنه كان حاضرًا بفعله ونشاطه وعمله الدؤوب الصامت الهادئ. كان الشيخ رحمه الله منخرطًا في المجتمع, ممتزجًا بالناس, مخالطًا لعمومهم وخواصهم, لا تعالٍ, ولا تكبر ولا أبراج عاجية.
كان رحمه الله سريع البديهة, جميل الدعابة, لطيف الممازحة, رقيق المشاعر, وكان مع كل ذلك قويًّا في الحق, صارمًا في التعامل مع الأخطاء, صادعًا بالأمر بالمعروف, لا يتهاون ولا يحابي ولا يجامل ولا يسكت عن منكر, ولكنه مع كل ذلك يسلك الأساليب الناجعة الصائبة ويتعامل مع الأمور بمنتهى الحكمة.
ومن أبرز ما تراه في الشيخ فراج تلك القدرة على كسب طوائف الناس بجميع توجهاتهم وانتماءاتهم وأصولهم وأطيافهم فإذا حضرت إلى مجلسه ترى لوحة جميلة غريبة آسرة جمعت كل الألوان الزاهية.
كان رحمه الله مولعًا بالكرم والضيافة لدرجة نادرة وكانت مناسباته يحضرها المئات وتجده مع ذلك يتمنى أن يضيف كل ضيف ويطعمه بيده, وكانت مناسباته مميزة وضيافته متفردة تجد فيها طعم صفاء القلب وجمال الروح.
لقد سعدْتُ بصحبة الشيخ رحمه الله منذ أكثر من عشرين عامًا. ولقد وجدت في الشيخ فراج ما يجده الابن في الوالد الحنون والتلميذ في الشيخ الوقور الحكيم المجرب, كنت أشعر بصدقه في كل نصيحة وحرصه عليّ في كل موقف ولا أذكر أنني شاركت مشاركة عامة فنقلَتْ في وسيلة إعلامية إلا وهو أول المتصلين بي يدعو ويثني ويوجه ويشجع. وقد زرع الله بيني وبينه من الود والارتياح ما لا حدّ له وكان يتعهدني كما يتعهد أبناءه.
توثقت أواصر المحبة والمودة بيني وبين الشيخ فراج لدرجة أنني كنت أستقبل كثيرًا من أضيافي في منزله وكأنما أنا في بيتي فكان رحمه الله هو المضيف وأنا كأنيّ من جملة الضيوف.
ولقد عاش الشيخ رحمه الله معاناة طويلة مع المرض أسأل الله أن يجعلها رفعة لمنزلته في الجنة وأن يكتبه من الشهداء فقد قال - صلى الله عليه وسلم - : «المبطون شهيد».
ولقد وجد رحمه الله من ولاة الأمور حفظهم الله كل التقدير والاحترام والاهتمام, ولقد أولوه من العناية والرعاية ما يستحقه ويسَّروا كل السبل لعلاجه. أسأل الله أن يجزيهم خير الجزاء وأن يبارك في أعمارهم وأن يثيبهم على ذلك.
ولقد رزقه الله بإخوة فضلاء, وأقارب نبلاء, وأبناء بارين, فهم دائما حوله يحيطونه بالحب والتقدير والإجلال, وإن وقوف إخوان الشيخ وأولاده بجانبه رحمه الله في معاناته مع المرض واجتهادهم في بذل كل السبل لراحته كان وقوفًا مشرفًا ومشهدًا حميميًا صادقًا قلّ أن ترى مثله, بل لقد كان الواحد منهم يتمنى لو يفتديه بنفسه وهو يستحق ذلك, فقد كان لهم أبا عطوفًا, ومربيًا فاضلا, ومشجعا في دروب العلم والمجد والمعروف واستطاع أن يصنع منهم نماذج بارزة في مجالات مختلفة وهم حفظوا له الجميل, وبادلوه الحب, وصدقوه الود, أسأل الله أن يخلف على المسلمين فيه خيرا وأن يعوض أهله خيرا ويلهمهم الصبر والسلوان وأن يبارك في أولاده وإخوانه وأبنائهم ويجعلهم هداة مهتدين صالحين مصلحين وأن يغفر له ويسكنه فسيح جناته إنه سميع مجيب.
إن الكلام عن والدي الحنون الشيخ فراج طويل طويل وما هذه الكلمات إلا بعض فيوض الفكر, وهمسات القلب العجلى.
لقد زرته آخر مرة قبل حوالي عشرة أيام من وفاته رحمه الله ولقد رأيت في عينيه وقسمات وجهه نظرات الوداع وأسند إليّ وصية وحرصني عليها وهو يردد: «هذه وصيتي لك هذه وصيتي لك» فقلت له: سمعًا وطاعة, وهي وصية تتعلق بالاهتمام بأمر توسعة لأحد المساجد وإنهاء إجراءته. أسأل الله أن يعينني على ذلك وأسأله أن يغفر لشيخنا ويورثه الجنة يتبوأ منها حيث يشاء.
رحلْتَ يا رائدًا في الجود والشيم=يا معدن اللطف والأخلاق والكرمِ
ر حلْتَ عنا وكم أشعلْتَ من لهب=على فراقك في الأحشاء مضطَرِمِ
بأي شيء يبوح الشعر يا أبتي=مما بقلبي من الأحزان والألمِ
وأيُّ شيء سأروي من محاسن مَنْ=في الناس أشهرُ من نارٍ على علمِ
كم من ليال قضيناها يُجَمِّلُها=حديثُك العذبُ والأزكى من الكلمِ
كم مِنْ مجالسِ أُنْسٍ زانها أدبٌ=ورائعٌ من فنون العلم والحكمِ
وكم سهرنا ولحن الأنس يطربنا=إيقاعه هازىءٍ بالناي والنغمِ
أيام سعد وسلوان ويا عجبا=لها وكيف غدت ضربًا من الحُلُمِ
يا باذل الأمر بالمعروف زاكية=فيُوضه فيه ما يشفي من السَّقَمِ
حزمٌ وعزم وإقدام فما وهنَتْ=منك القوى في دروب الفضل والقيمِ
وما رأيناك إلا مفعمًا أملًا= تبثُّ عطرَ المنى في وجه مبتسمِ
تهيم بالضيف أُنْسًا تنتشي طربًا=به ويهمي عليه الجود كالدِّيمِ
لا يُذكر الأمر بالمعروف في بلدي=إلا و«فراجٌ العقلا» مع القِمَمِ
يهوى السجايا ويسمو في مراتبها=متيم بالعلا والمجد والشممِ
يا أيها الوالد الحاني الذي ازدهرت=أرواحنا في مغاني لطفه العَمِمِ
سلكْتَ أروعَ منهاجٍ لمحتسب=بمنهج المصطفى المختار معتصم
يدعو إلى الخير في رفق ومرحمة=ورائع من زلال القول محترمِ
يسعى إلى الستر بين الناس يأنَفُ مِنْ=خلائق الشك والتخوين والتُّهَمِ
بلا غرور ولا كبر ولا لغة=فوقية أو إساءاتٍ إلى الحُرَمِ
لا شيء كالأمر بالمعروف إن خلُصَتْ=نياتُ أربابه للواحد الحكمِ
الأمر بالبر كالغيث الهنيء به=تحيا السجايا ويروىٰ منه كل ظمي
هو المُنىٰ والرضا واللهُ فضلنا=به وكنا لهذا خيرة الأممِ
يا شيخُ فراجُ كم آنست من مُهَجٍ=وكم من البر بالأحباب والرحمِ
عزاؤنا فيك ما أبقيْتَ من مُثُلٍ=تظلُّ من حسنها قَصْد المُغْتنمِ
وأن أرواحَ أهلِ الفضل شاهدةٌ=لكم وأعمالكم كالنور في الظُّلَمِ
وأن أبناءك اختاروا المسير على=نهج زكيٍّ من الآباء مرتَسَمِ
وأن إخوانك الأبرارَ ما فتئوا=يرعَوْن عهد الرضا والحُبّ والذِّممِ
ما مات مثلُك بل حيٌّ فضائله=تظلُّ عطًرا لأهل الحِلِّ والحرمِ
عليك رضوانُ ربِّ الكون ما سطَعتْ=شمسٌ وما برأ الدَّيَّانُ من نَسَمِ