مقدمة
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا »07« يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) [الأحزاب : 71] .
نسيم الحجاز من مسجد الشيخ ابن باز ، لقد توفي سماحة والدنا الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله - وهذه الخطب على مكتبه ، مدرجة في جدول أعماله لكي يقدم لها ، وقد قرئ عليه عدد منها ، إلا أن الأجل وافاه قبل أن يتم قراءتها ولا حول ولا قوة إلا بالله ، كنت آمل أن أصدر هذا الجهد المتواضع بشيء من عبير علمه ، وعبق توجيهه ، فالفضل بعد الله تعالى في كل ذلك لسماحته ، فما هذه الخطب إلا شذا من عطر علمه ، ومداد فضله وجميل نصحه ، وبديع توجيهه .
ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه= من المسك كافورا وأعواده رندا
وما ذاك إلا أن هندا عشية=تمشت وجرت في جوانبه بردا
لقد كانت وفاته - رحمه الله - صاعقة كادت تنسف عزيمتي ، وتجتث همتي ، وتأتي على توقدي ، ولكنني صبرت واحتسبت ، ورضيت وامتثلت ، وكفكفت دموع الأسى ، ولملمت جراح الحزن ، ورأيت أنه من أبر البر أن أسير على دربه ، وأمضي على نهجه ، وأبادر بنشر عبق من آثار علمه ، وعزمت على إنفاذ كل جيش من جيوش العلم والبذل والفضل كان قد جهزه قبل وفاته ، وأقسمت أن لا أمنع الناس عقالا كنت أؤديه لهم في حياته .
ولقد كنت آمل أن أقدم بمقدمة طويلة بين يدي هذا الكتاب أتحدث فيها عن الخطابة من حيث أهميتها ورفعة مكانتها وعظيم شأنها وقوة سلطانها ، وأبين فيها بعض القواعد المهمة والقوانين الملحة والضوابط المفيدة ، وأسرد شيئا من عوامل النجاح وطرق التفوق وأساليب التأثير ، فرأيت أن ذلك سيعطل مسيرة الكتاب ، وسيأخذ مني حيزا كبيرا ومساحة طويلة ، فبادرت بالنشر ، وسارعت بالطباعة ، وقررت إصدار كتاب آخر عن قريب - إن شاء الله تعالى - أضمنه ما لدي من آراء وأفكار ، وفرائد وفوائد ، ونصائح وتجارب عن الخطابة والخطباء .
أما هذه الخطب فهي جهد قليل ، وبضاعة مزجاة ، فليتصدق علينا أرباب العلم وحملة المعرفة ، ولا يدخروا نصحا ، ولا يؤخروا توجيها فإنا نراهم من المحسنين .
يجب على الخطيب أن يسعى إلى التجديد والتنويع ، والتلوين والتحسين ، وأن تسري هذه الروح في خطابته ، وأن يبتعد عن الرتابة قدر الإمكان بدءا باختيار الموضوع ، ثم تحديد العنوان ، ثم الأسلوب ، ثم الأداء ، وسوف تجد في هذا الكتاب موضوعات قد لا يخطر على البال أنها تكون مادة لخطبة الجمعة ، ولكنها وجدت قبولا حسنا ، وأثمرت توجيها مباركا ، انظر مثلا إلى خطبة : التجديد - البحر - الغيث - الليل - الدين - طريقك إلى النجاح - العقل - القلب - أنت غني ولست فقيرا .
إن هذا الكتاب ليس خطبا للجمعة فحسب ، فكثير من موضوعاته يعتبر بحثا متقصيا ، ومادة مستوفاة يفيد منها من كان لديه خطبة أو محاضرة أو بحث علمي ، أو مقالة أدبية ، ولذلك فإن كثيرا من موضوعاته أطول من زمن الخطبة ، ويجب اختصارها لمن أراد أن يفيد منها في خطبة جمعة .
إنني لا أدعي أن خطبي محض ابتكار ، أو أنني أتيت بما لم تستطعه الأوائل ، ولكن يكفيني أنني بذلت وتعبت وحضرت واجتهدت وجمعت وقارنت واخترت وحذفت ، نعم بعض الخطب كنت أرجع إلى كثير ممن كتب في موضوعها فأستفيد من ذلك كله ، أما أن أعدو على موضوع بأسره أو خطبة بأكملها فذلك ما لم أرضه لنفسي أبدا ، وخير شاهد على هذا الكلام ما سيجده القارىء لهذه الخطب من تميز واضح ، وجهد بين ، وطرح فريد .
إن الخطابة بجهد الآخرين فيها مخادعة لمشاعر الخطيب أولا ، ومخادعة للناس ثانيا ؛ لأنه يتغنى بغير عواطفه ، ويصدح بما لم تنفعل به نفسه ، وإن أداءه لها مجرد تمثيل ، وليست النائحة كالثكلى . إن ما كان من القلب يصل إلى القلب ، وما كان من اللسان فلن يجاوز الآذان .
لقد صدحت بعدد غير قليل من هذه الخطب بحضور سماحة الوالد الأجل ، والعالم الأمثل - رحمه الله - ولقد كان يسر بخطبي كثيرا ، ولا أنسى مقالته لي بعد عدة خطب : «خطبة عظيمة ، خطبة عظيمة ، نفع الله بك ، بارك الله فيك ، بارك الله فيك» كم كان يسعدني رضاه عني ، كم كان يسرني سروره بخطبي، كانت عباراته المشجعة وقودا حيا يدفعني لعطاء أجمل وأداء أفضل .
كان يطلب منه أن يعقب أو يوجه كلمة أحيانا بعد صلاة الجمعة ، فكان يعتذر - رحمه الله - ويقول ما على خطبة الشيخ ناصر مزيد ، وذلك محض تواضع منه ، أضف إلى ذلك أنه كان لا يرى إلقاء المواعظ بعد خطبة الجمعة ما لم تدع الحاجة إلى ذلك ، غفر الله له ورحمه رحمة واسعة وجمعنا به في جنات النعيم ، في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
د/ ناصر بن مسفر الزهراني
جامع سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
مكة المكرمة
في 1420 / 9/ 1 هـ