المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد .. فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .
"من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا" .
ودع الصبر محب ودعك= ذائع من سره مااستودعك
يقرع السن على أن لم يكن= زاد في تلك الخطى إذ شيعك
يا أخا البدر سناء وسنا= رحم الله زمانا أطلعك
إن يطل بعدك وقتي فلكم=بت أشكو قصر الوقت معك
فقد العلماء الربانيين نازلة كبرى ، وكارثة عظمى ، وغياب حملة الوحي ثلمة في الدين ، ومصاب للمسلمين ، وألم للمؤمنين ، وحزن للموحدين ، فكيف إذا كان الغائب ابن العثيمين؟ وما هو الحال إذا كان المفقود هو الكنز الثمين؟.
لقد هز هذا المصاب أعماقي ، وحرك أحزاني ، وأثار أشجاني ، لازالت نار الحزن على فقد سماحة والدي وشيخي عبد العزيز بن باز تشب ضرامها في كبدي ، وتذكي أوارها في أحشائي ، وكنت كغيري من طلبة العلم نجد شيئا من وميض العزاء في شيخنا ابن عثيمين - رحمه الله - فاختطفه الموت وغيبته المنايا ، فتجدد ضرام نار الأحزان ، واشتعلت حرقات الوجدان ، وأسبلت دموعها العينان .
عامان أبكي على شيخي وأندبه= واليوم أفجع في محبوبي الثاني
مات العثيمين فالألباب ذاهلة= والهم يكوي حنايانا بنيران
ما أعظم الخطب ما أدهى مصيبتنا= فالأرض تندب إذ ولى الإمامان
ودولة العلم تشكو من تهدمها= وبؤسها بعد أن مات الرئيسان
يا رب رحماك من أمر يراد بنا=ما للأئمة في موت ونقصان
عامان لم تهدأ الآلام من كمد=على أئمة إحسان وإيمان
يا الله ما أعظم الخطب ، يا الله ما أفدح الأمر ، شموس تتهاوى ، وكواكب تتساقط ونجوم تأفل ، وأنوار تطفأ ، ومصابيح تخمد ، وعلماء يقبضون ، وأولياء يرحلون ، وفتن تحدق ، وأمور ترهق ، وليل يظلم ، وزمان يعتم .
وليس هنالك أكبر ظلمة ، ولا أشد عتمة ، من غياب العلماء العاملين والأولياء الباذلين ، فهم نور الدجى ، وضياء الحياة ، وزينة الدنيا ، والحياة بدونهم جسم بلا روح ، وشجر بلا ثمر ، وليل بلا بدر ، ونهار بلا شمس ، وسفينة بلا ربان ، وركب بغير حاد ، وتيه بلا دليل ، ووجود بلا مذاق ، وآبار بلا ماء ، وأدواء بلا دواء .
أعظم الناس درجة بعد الأنبياء : "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتو العلم درجات" وأخشى البشرية لله : "إنما يخشى الله من عباده العلماء" ، وأحسن الناس قولا : "ومن أحسن قولا من دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين" .
ولقد رزئت أمة الإسلام في هذا الزمن بفقد أئمة علماء ، وهداة أولياء ودعاة أصفياء ، غابت أصواتهم ، وانقطعت نبراتهم ، وتولى ركبهم ، وانقضى نحبهم ، وانتهى أمرهم ، وجف عطرهم ، وانتثر عقدهم ، وتحقق بعدهم ، ولكن العزاء فيهم : حياة آثارهم ، وعبير أخبارهم ، وعبق أصدائهم ، وجميل أنبائهم .
كنت مع الشيخ محمد العثيمين - رحمه الله - قبل حوالي ستة أشهر من وفاته ، فكان يسألني عن مشروع ابن باز الخيري وعن مسجده ، ففاضت عيناي بالدموع ، وتركت لدموعي حريتها لكي تجيب على سؤال الشيخ ، وقد فهم حديثها ، وعرف مقالها ، فكان ينظر إلي نظرات غريبة عجيبة ، نظرات تحمل في طياتها معاني كثيرة ، ولكنني لم أفهما إلا بعد أن فقدته - رحمه الله - فعرفت أن عينيه كانتا تناجيان قلبي قائلة له : كيف بك إذا علمت أن الذي تبثه حزنك ، وتشكو له همك عما قريب يفارقك؟.
رحل الإمام الجليل ، والعالم النبيل الذي علقت عليه الأمة آمالها بعد الله تعالى ، فإذا بركب العلم والإيمان كأنما يتيهون في صحراء الحياة ، دون دليل يهديهم الطريق ، وحاد يحدو الركب ، ومشعل يضيء الظلام ، وخريت يجتاز بهم أخطار الطريق ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
حينما توفي سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله - مكثت أسبوعين في حيرة وذهول ، لا تعرف عيني غمضا ، ولا يعانق جفني نوما ، ولا يرتضي جنبي مضجعا ، إلا ما ندر ، فأحييت تلك الليالي ، وقطعت هاتيك الأيام أنثر عصارة ذهني ، وأدون حشاشة لبي ، على صفحات أوراق الحب ، ودفاتر أفنان الوفاء ، وكنت مع ذلك أسهر الليالي أترقب الفجر ، وأتطلع لبزوغ الشمس لأشتري الصحف والمجلات ، وأنقش في قلبي كلمات العلماء ، وعبارات الفقهاء ، وآهات الشعراء ، فأبى القلم إلا مشاركتي ، فنثر دموع الحب والحزن على سطور الأسى ، وأبى إلا أن يدون تلك الألفاظ الصادقة ، والكلمات العابقة ، والقصائد الرائقة ، فإذا بي أخرج من تلك الليالي السوداء بصفحات بيضاء وحدائق غناء ، ودرر عصماء ، وإذا بالأحبة في أنحاء الدنيا يتلقفون بنفوس متلهفة ، وأفئدة متعطشة كتاب (إمام العصر) فلا تكاد المطابع تفي بطلبات المحبين ، ورغبات المتعطشين .
وما أشبه الليلة بالبارحة ، ها هو الحزن نفسه ، والحدث ذاته ، يعاود النفس، ويراود القلب ، ويسكن في الأحشاء ، في حبيب كالأول ، وفقيد كالفقيد ، وإمام كالإمام ، تشابها في العلم والأخلاق ، والسيرة والإرث ، والمرض والموت ، والجنازة والدفن ، والبكاء عليهما ، واللوعة بفراقهما .
نزلت الفاجعة بموت الشيخ العثيمين على قلبي ، فمزقت أحشائي ، وبددت مشاعري ، وحطمت قواي ، جاءني هاتف يعزيني ويخبرني بوفاته - رحمه الله - بعد عشر دقائق من غياب روحه ، وقد كنت أمشي في طريقي لزيارة أحد المرضى ، فتسمرت قدماي عن المشي ، بل والله قعدت على الأرض مباشرة ، لم تعد تحملني رجلاي ، رجف القلب ، ووجف الفؤاد ، ودمعت العين ، واشتعلت نار الحزن ، فتحاملت على نفسي ، وعدت مباشرة إلى مكتبي لأبدأ رحلة من السهر والعناء والألم والبكاء ، وأمسكت بقلمي فأرسلته ليدون شيئا من خلجات الفؤاد ، وحرقات الضمير وآهات الوجدان ، وأصدرت الروح أمرها إلى القلم أن أكتب كل ما هو كائن عن حدث موت الإمام ، وإذا بها تملي عليه أول ما تملي :
تمزقت مهجتي واهتز وجداني=وقوضت خيمتي وانهد صيواني
وجف نهر من الإجلال في لغتي=وأجدبت كل خضراء ببستاني
في لجة الهول والأمواج تعصف بي=يغيب طاقم إبحاري ورباني
ما للحوادث ترميني قذائفها= بوابل من لظى هم وأحزان
كم بت يدمى فؤادي من فواجعها= وأيقظت من همومي كل وسنان
وأشعلت من ضرام الهم في كبدي = وبللت بدموع الحزن أجفاني
وعادت قصة الحزن من جديد ، وبدأت رحلتي مع الرصد والمتابعة والتدوين لكل ما جادت به أقلام المحبين في إمامهم العظيم ، فجاء هذا السفر الذي ما هو إلا قطرة في دموع الرثاء ، وهمسة من دواوين الثناء .
جاء هذا الكتاب بحروفه الولهى ، وألفاظه الثكلى ، وعباراته المكلومة وجمله المهمومة التي نفثتها الصدور المحترقة ، وأنشدتها القلوب الملتاعة ، وسطرتها الأنفس الباكية .. لقد مزجت الليل بالنهار، أملي وأنسخ ، وأكتب وأقرأ ، وأصحح وأراجع ، وأرصد وأتابع ، أترقب إطلالة الفجر ورحيل الظلام ، لأنظر ماذا جادت به الصحف ، وأقبلت به المجلات ، وأنا كما قال الشاعر :
كليني لهم يا أميمة ناصب= وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض= وليس الذي يرعى النجوم بآئب
وصدر أراح الليل عازب همه= تضاعف فيه الحزن من كل جانب
وبقيت على هذه الحال منذ يوم وفاة الشيخ إلى أن رفعت الأقلام ، وجفت الصحف ، وأوقفت المشاركات ، وذلك بعد أسبوعين من وفاته - رحمه الله - أي في يوم الجمعة 1421/11/1 ه ، ولو أن ديدن الصحف الاستمرار فيما يكتب عن الشخص مهما طالت المدة لبقيت الكتابة عن الشيخ حولا كاملا على الأقل .
لقد من الله علي فكنت أول من ألف عن سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله - وأول من نقش دموع المودعين على الصفحات ، ونثر على الأوراق صادق العبرات ، فها هي منة أخرى ، وهبة عظمى ، إذ يجود علي رب العالمين لأسبق لنيل رضى المحبين بإيناس قلوبهم بكتاب عن ابن عثيمين ، حامل راية الدين ، وبقية السلف العاملين المجتهدين ، ولم أجد أحسن اسما لهذا الكتاب من اسم الشيخ الذي عرف به «ابن عثيمين» فقد تألق هذا الاسم في سماء العلم ، وتأصل في دنيا الناس ، وأصبح له مذاق جميل ، ووقع فريد ، ومعنى متوهج ، بل أصبح النطق بكلمة «العثيمين» كأنما يساوي : «العلم الثمين» .
وآمل من الله تعالى أن تجد قوافل المحبين في هذا الكتاب ما يسلي نفوسهم ، ويسعد قلوبهم ، ويرضي مشاعرهم ، وأن يعظم به الحسنات ، ويرفع به الدرجات ، فهو الأعلم بالنيات .
وماذا عسانا أن نكتب ، وماذا يا ترى سنجلي من عظمة هذا الإمام العلامة ، والبحر الفهامة ، ولكنها إشارات عابرة ، وخواطر موجزة .
لقد كان الشيخ - رحمه الله - رضي الخلق ، حسن السمت ، لطيف التعامل ، خفيف الظل ، دائم الابتسامة ، مشرق الوجه ، متهلل الجبين ، لين الجانب ، مهذب العبارة ، لا يستكبر ولا يتعاظم ، حفيا بالعلماء ، ذاكرا لفضلهم ، متأسيا بهم ، مترحما عليهم ، مناضلا عن جنابهم ، ذائدا عن حياضهم ، أخذ منهم أحسن السمات ، وتحلى بأجمل الأخلاق ، لا يدخر وسعا ، ولا يعرف كللا ، ولا يضن بعلمه ، ولا يفتر عن نهجه ، ولا يبخل بعونه ، ولا يتمسك بكتبه ، ولا يحتفظ بحقوق تأليفه .
عنصر كريم ، ومعدن شرف عظيم ، أصل راسخ ، وفرع شامخ ، ومجد باذخ ، متمكن في علمه ، متأن في كلامه ، مدقق في عباراته ، موثق لنصوصه ، محترم لجمهوره ، مهتم بطلابه ، معتن بمريديه ، مكرم لمجيئيه ، مسعد لمسامريه ، مؤنس لمجالسيه . عالي الهمة ، عظيم الغيرة ، ساكن الهيبة رقيق الحاشية ، خفيض الصوت ، ذكي الفؤاد .
وهبه الله توقد القريحة ، ونفاذ البصيرة ، وقوة الفهم ، ووضوح الحجة وبيان المحجة ، وجمال الروية ، وصفاء النية ، وسلامة الطوية - كما نحسبه - وحسن التأني لما يحاول ، مع كريم الخلق ، وطيب التعامل ، ونقاء السيرة ، وحسن الإبانة ، وعميق الديانة ، وأداء الأمانة ، وتألق اللغة ، وتأنق العبارة ، ودقة الإشارة ، وعذوبة اللفظ ، وغزارة الحفظ ، وإحكام الإبرام والنقض ، ومتانة الكلام ، وإجادة الإفهام ، وجزالة الأسلوب ، وكسب القلوب ، وحسن الشرح عما يعن من سوانح الفكر ، وما وعاه صدره من أفانين العلم ، وقطوف المعرفة . دقيق الفهم لأسرار الكتاب والسنة ، واسع الإطلاع على آراء المفسرين ، والمحدثين ، والفقهاء ، والأصوليين ، والمتكلمين واللغويين ، والبلاغيين .
ألقت إليه رئاسة العلم مقاليدها ، وملكته طريفها وتليدها ، فأظهر مكنون قديمها في ثوب جديدها ، واختار بذكائه أفضل الآراء وسديدها .
طلعت شمس الفقه من أفق أفكاره ، وتفجرت ينابيع العلم من خلال آثاره ، وجرت في أنفس المحبين روائع أنهاره . جلا بكلامه الأبصار الكليلة ، وشحذ بمواعظه الأذهان العليلة ، وسلك في طريق العلم خير وسيلة ، ولن يهزم من كان الكتاب والسنة دليله .
إنه بدر العلوم اللائح ، وقطرها الغادي الرائح ، وعقال الأفكار عن كل جامح ، وعنوان اللطف والعفو والتسامح ، تستخرج الجواهر من بحوره ، وتحلى الأوراق بقلائد سطوره . شيخ المعارف وإمامها ، ومن في يديه زمامها يحوك الألفاظ على قدر المعاني ، ويسوق الكلام حسب الأماني . إذا أذكى سراج الفكر ، أضاء ظلام الأمر ، واستنبط روائع العلوم ، وأبان عن بديع الفهوم .
لقد كان - رحمه الله فيما نحسبه - من حزب الله المفلحين ، وأوليائه الناصحين ، ومن أئمة الإسلام المعدودين الذين حفظوا على الأمة روعة الدين ، وصانوه عن التغيير ، ونقوه من التكدير ، وأرسلوا لكل جاهل صيحة نذير ، ووردوا بالناس على مناهل من العلم نقية ، ومشارب زكية ، ومراتع رضية . سقوهم من العلم ماء نميرا ، عيونا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا ، ونفع الله بهم نفعا كبيرا ؛ لأنهم كانوا يوفون بالعهد ويخافون يوما كان شره مستطيرا ويبذلون العلم لا يرجون من الناس جزاء ولا شكورا.
إن الذي تنعين يا بلدي= علم الهدى والمصلح البحر
متفرد بخلائق غرر= بجمالها يتفاخر الفخر
في كل صالحة له خبر=ولكل محمدة له صور
تتبارك الحسنى بخلته= يمنا وخلته لها ذخر
صاف كماء المزن ظاهره=كضميره وكسره الجهر
حزني عليه سوف يصحبني= حتى يواري جسمي القبر
اللهم اغفر ذنبه ، وارفع درجته ، وأكرم نزله ، ووسع مدخله ، واغسله بالماء والثلج والبرد ، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، واجمعنا به في جنات النعيم ، واخلف على المسلمين فيه خيرا ، وبارك في أولاده وأهل بيته ، ووفق طلبته ومحبيه لكل خير وفلاح ، وهدى وصلاح ، وفوز ونجاح ، إنك سميع مجيب ، ولا حول ولا قوة إلا بك ، عليك توكلنا ، وإليك أنبنا ، وأنت على كل شيء قدير ،،،